السيد محمد تقي المدرسي
233
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
وأمّا ما أفاده ( قدس سره ) من « أنَّ الصحّة في المقام بمعنى تمامية الشيء في نفسه . . . وأنَّ الصحة من جهة قصد القربة ، أو من جهة عدم النهي ، أو المزاحم خارجة عن محلّ النزاع وغير داخلة في المسمّى ، فإنّه في مرتبةٍ سابقةٍ قد يُوجد له مزاحم ، وقد يُقصد به التقرّب ، وقد يُنهى عنه ، ولكن مع ذلك لهذه الأمور دخل في الصحّة وفي فعليّة الأثر . فلو كان للصلاة - مثلا - مزاحم واجب ، أو أنهّا نهُيَ عنها ، أو لم يُقصد بها التقرب لم يترتَّب عليها الأثر . وعليه فما يترتَّب عليه الأثر بالفعل لم يُوضع له اللفظ يقيناً ، وما وُضِعَ له اللفظ ليس إلّا ما يكون مقتضياً وقابلًا لترتُّب الأثر عليه « 1 » » . إنَّ ما ذكره متين ، وهو إشكال يُذكر عادةً في مثل هذه الموارد ، ولكنَّهم يجيبون عنه بتعدد الخطاب والأمر . مثلا : حين يأتي الامر الإلهي بإقامة الصلاة ، فإنَّ الإقامة تعني الإتيان بها بكامل شروطها ، ومن شروطها قصد القربة وعدم المزاحم وما أشبه . 5 - الأسماء إشارات إلى الحقائق إلا أنَّ هذا الاشكال لا ينفي وجود جامع بين الافراد الصحيحة من جميع الجهات الداخلة في إطار معنى الصلاة . وعند التأمل في معاني الالفاظ نجد أنهّا علامات وإشارات إلى الحقائق الخارجية ، كما قد بَيّنا مراراً ، وليس إلى المفاهيم الذهنيّة ، وعليه فإنه يكفي منها ما يُنبّه الفكر إلى المشار إليه . مثلا : إذا كانت الصلاة تعني العمل بما يُقرِّب إلى الله سبحانه ، أو ما فيه إشعار بحالة العبودية والمخلوقيّة والتبتُّل ، فإنّ الإشارة إلى ذلك كافية ، ولا ريب أنَّ هذه الحالة لا تكون إلا في الصلاة الصحيحة مثل ما ذكره البعض في المقدمة الموصلة ، ومثل ما يفهمه العرف عند التخاطب بكلمة الطائرة أو السيّارة أو السفينة أو ما أشبه ، فإنها تدل على المعاني الصحيحة ، خصوصاً إذا قيل للشخص إركب سيّارةً أو استقل سفينةً أو سافر بالطائرة . . فإنَّ كل تلك الألفاظ تدل على ما يوصلك إلى غايتك . فالجامع بين الافراد السليمة من وسائل النقل هو الاشتراك في الإيصال وتحقيق الهدف . كذلك معنى الصيام والصلاة والحج فإنها تعني الإشارة إلى العبادات ، والجامع بين أفرادها الصحيحة هو حالة العبوديّة والتقرّب زلفى إلى الله . فتأمَّل في أشباهه في المخاطبات العرفية تجده واضحاً .
--> ( 1 ) - محاضرات في أصول الفقه ، ج 1 ، ص 166 .